محمد بن جرير الطبري

5

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أقرب الناس مودة للذين آمنوا ، ما أنزل إليك من الكتاب يتلى ، تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ وفيض العين من الدمع : امتلاؤها منه ثم سيلانه منها كفيض النهر من الماء ، وفيض الإناء ، وذلك سيلانه عن شدة امتلائه ؛ ومنه قول الأعشى : ففاضت دموعي فطل الشؤون داما حدارا وقوله : مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يقول : فيض دموعهم لمعرفتهم بأن الذي يتلى عليهم من كتاب الله الذي أنزله إلى رسول الله حق . كما : حدثنا هناد بن السري ، قال : ثنا يونس بن بكير ، قال : ثنا أسباط بن نصر الهمداني ، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي ، قال : بعث النجاشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم اثنى عشر رجلا أصحاب النجاشي يسألونه ويأتونه بخبره ، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن فبكوا . وكان منهم أصحاب النجاشي سبعة رهبان وخمسة قسيسون ، أو خمسة رهبان وسبعة قسيسون ، فأنزل الله فيهم : وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ إلى آخر الآية . حدثنا سرو بن علي ، قال : ثنا عمر بن علي بن مقدم ، قال : سمعت هشام بن عروة يحدث عن أبيه عروة ، عن عبد الله بن الزبير ، قال : نزلت في النجاشي وأصحابه : وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حدثنا هناد ، قال : ثنا عبدة بن سليم ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة ، في قوله : تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ قال : ذلك في النجاشي . حدثنا هناد وابن وكيع ، قالا : ثنا أبو معاوية ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة ، قال : كانوا يرون أن هذه الآية أنزلت في النجاشي : وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حدثنا هناد ، قال : ثنا يونس بن بكير ، قال : قال ابن إسحاق ، سألت الزهري عن الآيات : ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ الآية . وقوله وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً قال : ما زلت أسمع علماءنا يقولون : نزلت في النجاشي وأصحابه . وأما قوله : يَقُولُونَ فإنه لو كان بلفظ اسم كان نصبا على الحال ، لأن معنى الكلام : وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ، قائلين ربنا آمنا . ويعني بقوله تعالى ذكره : يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا أنهم يقولون : يا ربنا صدقنا لما سمعنا ما أنزلته إلى نبيك محمد صلى الله عليه وسلم من كتابك ، وأقررنا به أنه من عندك وأنه الحق لا شك فيه . وأما قوله : فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ فإنه روي عن ابن عباس وغيره في تأويله ، ما : حدثنا به هناد قال : ثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي وأبن نمير جميعا ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ قال : أمة محمد صلى الله عليه وسلم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ يعنون بالشاهدين محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، في قوله : فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ قال محمد وأمته ، أنهم شهدوا أنه قد بلغ . وشهدوا أن الرسل قد بلغت . حدثنا الربيع : قال : ثنا أسد بن موسى ، قال : ثنا يحيى بن زكريا ، قال : ثني إسرائيل ، عن سماك عن عكرمة ، عن ابن عباس ، مثل حديث الحرث بن عبد العزيز ، غير أنه قال : وشهدوا للرسل أنهم قد بلغوا . فكأن متأول هذا التأويل قال محمد وأمته ، أنهم شهدوا . . . قصد بتأويله هذا إلى معنى قول الله تعالى ذكره : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً فذهب ابن عباس إلى الشاهدين هم الشهداء في قوله : لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم . وإذا كان التأويل ذلك ، كان معنى الكلام : يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين الذين يشهدون لأنبيائك يوم القيامة أنهم قد بلغوا أممهم رسالاتك . ولو قال قائل : معنى ذلك : فاكتبنا مع